هل نحن آباء صالحون ؟!

كتب: أ. داليا منير جاد
مشرفة عامة بـمدارس جيل المجد العالمية
خبيرة تربوية بأكاديمية القيادة للتعليم والتطوير

على مدارِ ثلاثين عاماً مَضت، وعلى اختلاف معايير ورؤى، وعلى تغيرُ الكثير من العوامل، وفي أزمنةٍ شكَّلت وجدان الجيل وحفرت أفكاره ورسخت معتقداته. ثم أزمنة محت كل ذلك واستبدلت الأفكار وزحزحت المعتقدات. ثم تلاحقت أزمنة وأزمنة. 

في خضم كل تلك السنوات التي شكلتها الكثير من المتغيرات، نجد أنفسنا كآباء اليوم ينحسر دورنا وتتلخص مهمتنا في ملاحقة شيئين هامين هما مدار السعي ومصب الاهتمام: تسليح أبنائنا بالتعليم ومطاردة لقمة العيش التي تعيننا على تربيتهم وهكذا تشكلت قناعات جيل الآباء الحالي سوى قليل ممن وعوا دورهم. 

عشنا أحوالاً عدة وجربنا قيماً ومعايير اختلفت من زمن للاحقه، بل عاصرنا عديداً من الثقافات والعهود والرؤى والسياسات. 

وحسبنا أن كل ذلك من شأنه أن يثرينا ويثري سلوكنا ويجعله دوماً إيجابياً بل سعدنا بذلك. والآن بعد ثلاثة عقود من التطور والتغير والتعدد والتنوع هناك سؤال مُلح: هل نحن آباء صالحون لتربية الأجيال القادمة؟! 

الإجابة النموذجية عن ذلك السؤال لا يملكها أحد، الإجابة عن ذلك السؤال تستلزم البحث في كثير من الأمور والنظر في كثير من الاعتبارات ووضع الكثير والكثير من المعايير. 

لكن الأمر ببساطة ينحصر في مجموعة من الأهداف ومجموعة من الاختيارات والكثير من غض الطرف عن معظم ما حدث من تغيرات. 

ونستعرض في “أكاديمية القيادة” وطبقاً لخبرائنا التعليميين والتربويين ما يمكنه الإفادة وما يمكنكم من الإجابة والعمل على تربية الأبناء بما يسهم في بناء إنسان مثمر في مجتمع صالح. 

حين تربى جيلنا كانت الاختيارات واحدة وكانت الرؤى متقاربة وكانت المجتمعات متشاركة معاً في كثير من العوامل. أما ما نراه اليوم من تعدد وتنوع فبقدر ما يتيح مساحة أوسع للاختيارات إلا إنه أيضاً قد يجانبه التشتت وعدم الوضوح. 

ففي زماننا كنا جيراناً متعاونين وكنا أهلاً متحابين، وكان المجتمع برمته هو المسئول عن التربية وكان المصدر هو ثقافة واحدة ومعتقدات ثابتة مما سهل على من سبقونا أن يقوموا بتربية الأبناء بيسر وباستخدام بعض الأدوات الميسرة والاستلهام ببعض التجارب الناجحة الظاهرة والمميزة أمام الجميع. 

لكن حظ هذا الجيل نزعم أنه الأقل فرصة رغم كل التنوع الحادث. لذا عليك أن تكون واعياً جداً عند تحديد الهدف وعند الاختيار.

لذا حدد لنفسك في تربية أبنائك أهدافاً واضحة ومحددة ومعدودة. متغاضياً تماماً عما يبثه المجتمع الغير واعي من أفكار وأهداف.

فلنا أن نتخيل أن من أخطائنا في التربية أننا نريد لأبنائنا الحصول على كل شئ. فأنا أريد لابني أن يكون طبيباً بارعاً وأن يمتلك حساً موسيقياً ويستطيع المنافسة في مباريات كرة القدم ويمكنه السباحة ولعب الكاراتيه وحاصل على ميداليات في تنس الطاولة وعالماً فقيهاً وأريده أن يقضي وقته في الحصول على الدكتوراة والزمالة ومن سخريات ما يحدث أننا نريد لكل ذلك الكمال أن يتم مثلاً في مرحلة الإبتدائي. ثم نلقي باللوم على أنفسنا إن لم يحدث وعلى أبنائنا إن لم يحصلوا على ما نريد بغض النظرعن تفاوت قدراتهم واختلاف ميولهم.

لذا حينما تريد لابنك أن يتطلع أمامه فحدد له هدفاً واضحاً وصريحاً أو مجموعة أهداف مترابطة مع النظر إلى قدراته وميوله.

ثم اسأل نفسك هل هذا الهدف هو ما أريده أنا أم ما يناسب ابني. هل ذلك حلمي أم طموحه هل هي رغبتي أم قدرته؟!

وارحم هذا الصغير الذي يكافح كي يحقق لك ما تتمناه مجبراً بدوافع حملته أنت إياها.

وانتبه فمن الخطر أن تسوقه عن غير قصد فيما بعد إلى أن يهمل ما بدأه أو ينهزم أمام ما يريد.

واحذر فأنت تجريه في سباق من اختراع المجتمع المتفاخر الذي يتسابق أفراده في الظهور بمظهر الكمال في كل شيء دون النظر إلى أية اعتبارات.

فاهتمامك بابنك ليس معناه أن يحصل على كل شيء بل يتوجب عليك توفير ما يساعده لأن يبرع لا في كل شئ بل فيما يناسبه ويجعله قلباً نابضاً وفكراً واعياً ويداً بناءة في مجتمعه. 

اهتمامك بابنك ليس توفير الأموال الكثيرة ولا الحياة الرغدة ولا العيش الفاخر واللبس الزاهي وأحدث الهواتف. بل بحثه على أن يفكر جيداً ويؤمن بما يقوم به ويبرع فيما يؤديه ويحسن إلى من حوله.

اهتمامك بابنك ليس في تحصينه بأفكارك ومعتقداتك بل بمساعدته على إنتاج الفكر الحر والرأي السديد.

وفر لابنك العوامل المساعدة للحصول على ما يريد ولا توفر له كل ما يريد دون عناء. 

اسع لكي يعيش حياة كريمة ولا تنس أنه يحتاج بعد كل ذلك إلى وجودك دوماً بجانبه فالتفاتك لجمع المال من أجل رعايته لا يقل أهمية عن حديث أسري هادئ في المساء.

ابنك صاحب شخصية مستقلة فحين تقارنه بغيره أو بنفسك في عمره فمعادلتك خاطئة من المبدأ وناتجها ظلم قوي في حقه سلباً وليس إيجاباً. 

ابنك امتداد لمبادئك وليس لأهدافك، ولرسالتك ليس لشخصيتك، ولخلافتك لا لإرثك. 

ونوجز حديثنا في السطور التالية والتي تسلط الضوء على بعض النقاط التي يمكن من خلالها يمكنك التحديد إذا كنت أباً صالحاً: 

  • ميول ابنك أهم من رغبتك.
  • طموحه أهم من تباهيك به كطبيب في المستقبل.
  • مقارنتك له بغيره ليست في محلها إن لم تتفق كافة ظروف المقارنة.
  • قدرة ابنك قد لا تجعله عالم فضاء لكنها قد تجعله أباً صالحاً وإنساناً ناجحاً فيما بعد.
  • مرحلة ابنك العمرية شيء هام يجب الانتباه عليه عند إسناد أية مهمة إليه.
  • مهمتي ليست في توفير الحياة الفاخرة بل بتعليم أبنائي أن يكونوا أفراداً صالحين في دنياهم وأخراهم.
  • سأختار لابني ما يناسب ميوله وما يمكنه أن يبرع فيه ولن أختار له ما يجعله مثاراً للتباهي أمام مجتمعي أنا.
  • سأمنح ابني حديثاً طويلاً أفهمه فيه وأقترب منه أكثر وأبنيه نفسياً وفكرياً ولن أبخل بوقتي الذي يمكنني فيه جني المزيد من المال.
  • ابني محل اهتمامي ورعايتي وليس مجنداً لخدمة أفكاري وتحقيق ما لم أتمكن من تحقيقه سابقاً.  

كن واعياً وهنيئاً لك: الآن أنت أب صالح…

2 comments on “هل نحن آباء صالحون ؟!

  1. سلمت أناملك أستاذة داليا … موضوع رائع وجميل يستحق تسليط الضوء عليه ولفت النظر له لأن أبناءنا هم أعز ما نملكه في هذه الحياه وهم أملنا بعد الله إذا لم ننجح في تربيتهم فماهو دورنا كوالدين ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *