بالحب ينمو طفلي

كتب: أ.غادة درويش
مديرة القسم التمهيدي بمدارس واحة الألسن العالمية
مستشارة القسم التمهيدي بأكاديمية القيادة للتعليم والتطوير

حبّ الأب أعلى من الجبل، وحب الأم أعمق من المحيط…

مقولة يابانية تختصر الكثير من المشاعر التي يكنّها الوالدان لأبنائهما، ومهما بذلا من جهد لتوفير كل ما يجعلهم سعداء، يبقى الحب هو الغذاء الأساسي الذي يُنشئ أبناء أصحّاء، يتمتعون بتوازن عاطفي واجتماعي، فضلاً عن شعورهم الدائم بالتفاؤل، والنظرة الإيجابية إلى محيطهم.
وتشير كل الدراسات والأبحاث الطبية إلى أهمية تلبية الحاجات العاطفية عند الأطفال، نظرًا إلى أثرها الإيجابي في نمو الدماغ. 
فجميع هذه الأبحاث العلمية تقود إلى النتائج نفسها، وهي أن العلاقة المثالية والمتعاطفة، والحمية، والمحيمة شرط أساسي وأصيل للسماح للدماغ بأن يتطوّر على النحو الأمثل ولبلورة المهارات الوجدانية، مثل التعبير عن المشاعر، والملكات الاجتماعية والفكرية، أي الذاكرة والتعلم والتفكير.

وبالحب الحقيقي غير المشروط وحده ينمو الطفل في بيئة صالحة. وفي كنف أسرة تحبه رغم كل شيء. تتقبله بعيوبه قبل مميزاته يترعرع الطفل وينشأ إنسانا يعتمد عليه.
تعطيه حبا فتمنحه تقديرا لذاته ليعطيك في المقابل ابنا لطالما حلمت به وتمنيته.

ويقارن علماء النفس بين الأطفال الذين خرجوا للحياة، فوجدوا الحب والحنان منذ اللحظة الأولى، وبين أولئك الذين خرجوا للحياة وكان خروجهم غير مرغوب فيه.

إنّ الأوائل يشبون بلا عقد نفسية، ويكونون أكثر تقدماً في دراستهم، وأكثر سعادة في حياتهم عن الآخرين الذين يحرمون من ضمة الذراعين والصوت الحنون الذي يطمئنهم، وقد يصابون بصدمة لدى خروجهم للحياة!

الأمر الذي جعل “جون بولي” وهو طبيب نفسي إنجليزي يقرر أنّ الرباط بين الطفل والأم إما أن يكون ركيزة الصحة النفسية، أو يكون منطلقاً للمرض النفسي.

ولنتعلم كيف كان حبّ الأبناء في مدرسة النبوة:

فعن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال -الأطفال- من رسول الله صلى الله عليه وسلم” رواه مسلم، وعن أسامة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنه- قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، وكان يقعد الحسن على فخذه الآخر ثم يضمنا ويقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما” رواه البخاري، و روى أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وكذلك ما رواه أنس بن مالك –رضي الله عنه- : “أنّ النبي  استقبل ذات يوم صبيان الأنصار والإماء فقال والله إني لأحبكم” رواه أحمد والحاكم وصححه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

هذه الأحاديث وغيرها تلفت انتباه المربين إلى الأسلوب الحاني الذي كان يتعامل به نبي الإسلام  مع الصغار، وكيف كان يعبر بالقول والفعل عن حبه الكبير لهم، ولذلك كان الصبيان يقبلون عليه أينما ذهب يدورون حوله، يلاعبونه ويلاعبهم، ويهتم بشؤونهم، بل وينظر إليهم مبتسماً حين يلعبون، لأنه  يدرك حاجة الطفل إلى إشعاره بأنه شخص محبوب ومرغوب به عند غيره من الكبار.

ولا يحتاج الطفل من أهله الى إغداقه بالهدايا وتنفيذ كل طلباته، وتجنيبه مواجهة الصعاب، وإنما يحتاج إلى حبّهما الذي يجعله إنسانًا ناجحًا وقويًا. فالدلال المفرط يجعله إنسانًا اعتماديا غير مسؤول، وضعيف الشخصية يخاف المواجهة، وبالتالي قد يصبح شابًا فاشلاً.
فالحب يعزّز تقييمه لذاته ويقوّي صورته، ويملأه بالأمل. فعندما يقول الوالدان «نحبك» لطفلهما فهما يجعلانه يدرك أن له قيمة، ويستحق الحب، مما يبدّد الخوف لديه ويمنحه الثقة بالنفس والأمان اللذين يشعرانه بالحماية النفسية على مدى حياته. عبارة «نحن نحبك» تعلّمه أن يحبّ نفسه ويحبّ الآخرين.

ويحتاج الطفل إلى مزيد من التأكيد والتحقّق من صحّة ما ينجزه، وحضور والديه لدعمه لتطوير الوعيٍ بالذات، فهو متعطّش لدعمهما وامتنانهما. ففي معظم الأحيان يتصرّف الطفل بشكل معيّن ليحصل على موافقة والديه، ورضاهما وحبّهما. حتى إذا كانا لا يوافقان دائمًا على طريقة إنجازه عملاً ما، فعليهما تشجيعه على معالجة أكثر المهمّات صعوبة للسير في الطريق المؤدي إلى استقلاليته.

من خلال اعتراف الأهل بأخطائهم لأطفالهم، فإنهم يظهرون لهم أنهم بشر، وأنهم معرّضون لارتكاب الأخطاء، وأنهم يتعاطفون مع مشاعرهم، ويتفهّمونها.
فمن خلال تصرّف الأهل بصدق مع أطفالهم، يبيّنون لهم أنّ الكمال بعيد عن متناول أيديهم و … عنهم أيضًا، ويتعلمون أن عدم الكمال ليس عيبًا… وبالتالي قبول أخطاء المرء يتطلب أن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه. وعند قيام الأهل بذلك، فهم يساعدون أطفالهم على تقبّل أخطائهم والتفكير في تصحيحها وتصويبها، مما يعزّز لديهم احترام الذات.

وعلى الأهل أن يتذكّروا أن لا أحد يقدر، مهما كان سنّه، على تحمّل تذكيره باستمرار، بخياراته أو أخطائه المؤسفة. لا أحدَ يجوز أن يتعرض للإذلال أمام الآخرين. على الوالدين إيجاد التوازن بين مواجهة أطفالهما بعواقب أفعالهم، وفي الوقت نفسه عليهما أن يتذكّرا أن أطفالهما حساسون، وتقع على عاتقهما مسؤولية تعليمهم أنهما يحبّانهم رغم أخطائهم. لذا على الأهل مسامحة الطفل إذا ارتكب خطأً، وليس إدانته.

وأخيرًا، يشدّد اختصاصيو علم نفس الطفل على ضرورة أن يكون الحب والتربية دليلهما التربوي، فالتربية والعقاب أو الإذلال أمران مختلفان جدًا، فإذا أضعف الوالدان تقدير الطفل لذاته بغض النظر عن سنّه، فإنّ لهذا تأثيرًا فيه يدوم مدى الحياة.
لذا عليهما توخّي الحذر، فعندما يصير الطفل راشدًا، يصبح من الصعب عليه تعديل صورته أو هوّيته التي كانت قد تشكلت. ولهذا السبب، من الحكمة التفكير في النمو، وتطوير تقدير الذات في سنّ صغيرة بتماسك وثبات. فمن خلال التعبير والتحدّث بشكل مستمر يدرك قدراته.
وفي الوقت نفسه، سيبني الفكرة التي يصنعها لنفسه على أساس التبادلات التي سيجريها مع الآخرين. إن حبّ الوالدين وانضباطهما سيساعدانه على تكوين فكرة قوية ودقيقة حول هويته.

1 comment on “بالحب ينمو طفلي

  1. فعلا كلام حضرتك مظبوط وعندما يطبق يلقي اثر كبير علي الاطفالً ويكفي انه بقلم استاذه غاده مثال التعامل الصادق فأنت انسانه قبل ان تكوني قائده وهذا ما نتعلمه منك في تعاملنا اليومي مع أطفالنا وتعلمنا منك الكثير نكن لكي كل الاحترام والحب يا مصدر الطاقه الإيجابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *